
أهداني أحد الأخوة الأفاضل مقال رائع عن الشيخ الفاضل (علي الطنطاوي ) رحمه الله فأحببت أن تشاركوني المقال
كتب الشيخ على الطنطاوي رحمه الله مقالة نشرت سنة1376 في مجلة الإذاعة تقول
نظرت البارحة فإذا الغرفة دافئة والنار موقدة، وأنا على أريكة مريحة ، أفكر في موضوع أكتب فيه ، والمصباح إلى جانبي ، والهاتف قريب مني، والأولاد يكتبون ، وأمهم تعالج صوفا تحيكه ، وقد أكلنا وشربنا ، والراديو يهمس بصوت خافت/ وكل شي هادئ ، وليس ما أشكو منه أو أطلب منه أو أطلب زيادة عليه
فقلت " الحمد لله " ، أخرجتها من قرارة قلبي ، ثم فكرت فرأيت أن " الحمد " ليس كلمة تقال باللسان ولو رددها اللسان ألف مرة ، ولكن الحمد على النعم أن تفيض منها على المحتاج إليها ، حمد الغني أن يعطي الفقراء، وحمد القوي أن يساعد الضعفاء ، وحمد الصحيح أن يساعد المرضى ، وحمد الحاكم أن يعدل في المحكومين، فهل أكون حامدا لله على هذه النعم إذا كنت أنا وأولادي في شبع ودفء وجاري وأولاده في الجوع والبرد ؟ وإذا كان جاري لم يسألني أفلا يجب علي انأ أن اسأل عنه ؟ وسألتني زوجتي : فيم تفكر ؟ فقلت لها
قالت صحيح ولكن لايكفي العباد إلا من خلقهم ، ولو أردت أن تكفي جيرانك من الفقراء لافقرت نفسك قبل أن تغنيهم
قلت: لو كنت غنيا لما استطعت أن أغنيهم، فكيف وأنا رجل مستور ، يرزقني الله رزق الطير، تغدوا خماصاً وتروح بطانا
لا ، لا أريد أن أغني الفقراء ، بل أريد أقول إن المسائل نسبية، وانأ بالنسبة إلى أرباب الآلاف المؤلفة فقير ، ولكني بالنسبة إلى العامل الذي يعيل عشرة وماله إلا أجرته غني من الأغنياء، وهذا العامل غني بالنسبة إلى الأرملة المفردة التي لا مورد لها ولا مال في يدها ، ورب الآلاف فقير بالنسبة لصاحب الملايين ، فليس الدنيا فقير ولا غني فقرا مطلقا وغني مطلقا ، وليس فيها صغير ولا كبير ، ومن شك فاني اسأله أصعب سؤال يمكن أن يوجه إلى إنسان ، اسأله عن العصفور : هل هو صغير أم كبير ؟ فإن قال صغير ، قلت : اقصد نسبته إلى الفيل وإن قال كبير : اقصد نسبته إلى النملة
فالعصفور كبير جدا مع النملة، وصغير جدا مع الفيل، وأنا غني جدا مع الأرملة المفردة الفقيرة التي فقدت المال والعائل، وإن كنت فقيرا جدا مع فلان وفلان من ملوك المال
تقولون : إن الطنطاوي يتفلسف اليوم .. لا ، ما اتفلسف ، ولكن أحب أن أقول لكم إن كل واحد منكم وواحدة يستطيع أن يجد من هو افقر منه منه فيعطيه ، إذا لم يكن عندك ــ ياسيدي ــ إلا خمسة ارغفة وصحن " مجدرة " ( وهو طعام من البرغل أي القمح المجروش مع العدس ) ، تستطيعين أن تعطي رغيفا لمن ليس له شيء ، والذي بقي عنده بعد عشائه ثلاثة صحون من الفاصوليا والرز وشيء من الفاكهة والحلو يستطيع أن يعطي منها قليلا لصاحبه الأرغفة والمجدرة
والذي ليس عنده إلا اربعة ثياب مرقعة يعطي ثوبا لمن ليس له شيء ، والذي عنده بذلة لم تخرق ولم ترقع ولكنه مل منها ، وعنده ثلاث جدد من دونها ، يستطيع أن يعطيها لصاحب الثياب المرقعة ، ورب ثوب هو في نظرك عتيق وقديم بال ، لو أعطيته لغيرك لرآه ثوب العيد ولاتخده لباس الزينة ، وهو يفرح به مثل فرحك أنت لو أن صاحب الملايين مل سياراته الشفروليه طراز 1953م _ بعدما اشترى كلاديك طراز 1956 _ فاعطاك تلك السيارة
ومهما كان المرء فقيرا فإنه يستطيع أن يعطي شيئا لمن هو أفقر منه ، أن اصغر موظف لا يتجاوز راتبه مئة وخمسين قرشا، لايشعر بالحاجة ولا يمسه الفقر إذا تصدق بقرش واحد على من ليس له شيء، وصاحب الراتب الذي يصل إلى اربعة جنيهات ولا يضره أن يدفع منها خمسة قروش ويقول " هذه لله " والذي يربح عشرة الآف من التجار في الشهر يستطيع أن يتصدق بمائتين منها في كل شهر
ولا تظنوا أن ماتعطونه يذهب بالمجان ، لا والله ، إنكم تقبضون الثمن أضعافا مضاعفا ، تقبضونه في الدنيا قبل الآخرة ، ولقد جربت ذلك بنفسي ، أنا اعمل وأكسب وأنفق على أهلي منذ أكثر من ثلاثين سنة، وليس لي من أبواب الخير والعبادة إلا أني ابذل في سبيل الله إن كان في يدي مال، ولم ادخر في عمري شيئا ، وكانت زوجتي تقول لي دائما : " يارجل ، وفر واتخذ لبناتك درا على الأقل " ، فأقول : خليها على الله ، اتدرون ماذا كان ؟ !!!! لقد حسب الله لي ماأنفقته في سبيله وادخره لي في بنك الحسنات الذي يعطي أرباحا سنوية قدرها سبعون ألفا في المئة، نعم : [ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ِفي كُلّ سِّنبلةٍ مِّأئَةُ حَبَّةٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ ]، وهناك زيادات تبلغ ضعف الربح : [ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ]، فارسل الله صديقا لي سيدا كريما من أعيان دمشق فأقرضني ثمن الدار ، وأرسل أصدقاء آخرين من المتفضلين فبنوا الدار حتى أكملت وأنا _ والله _ لا أعرف من أمرها إلا مايعرفه الماره عليها من الطريق، ثم أعان الله برزق حلال لم أكن محتسبا فوفيت ديونها جميعا ، من شاء ذكرت له التفاصيل وسميت له الأسماء
وما وقعت والله في ضيق قط إلا فرجة الله عني ، ولا أحتجت لشيء إلا جاءني ، وكلما زاد عندي شيء واحببت أن احفظه وضعته في هذا البنك
فهل في الدنيا عاقل يعامل بنك المخلوق الذي يعطي 5% ربحا حراماً وربما أفلس أو أحترق، ويترك بنك الخالق الذي يعطي في كل مئة ربح قدره سبعون الفا ؟ ، وهو مؤمن عليه عند رب العالمين فلا يفلس ولا ولا يحترق ولا يأكل أموال الناس
فلا تحسبوا أن الذي تعطونه يذهب هدرا ، إن الله يخلفه في الدنيا قبل الآخرة ، وأنا لا أحب أن أسوق لكم الأمثلة فإن كل واحد منكم يحفظ مما رأى أو سمع كثيرا منها ، إنما أسوق لكم مثلا واحدا : قصة الشيخ سليم المسوتي رحمه الله ، وقد كان شيخ أبي ، وكان ـــ على فقرة ـــ لايرد سائلا قط ، ولطالما لبس الجبة أو " الفروة " فلقي بردانا يرتجف فترعها إليه وعاد إلى البيت بالإزار ، وطالما أخذ السفرة من أمام عياله فأعطاها للسائل ، وكان يوما في رمضان وقد وضعت المائدة أنتظارا للمدفع ، فجاء سائل يقسم أنه وعياله بلا طعام ، فابتغى الشيخ غفلة من امرأته وفتح له فأعطاه الطعام كله !، فلما رأت ذلك امرأته ولولت عليه وصاحت وأقسمت أنها لاتقعد عنده ، وهو ساكت
فلم تمر نصف ساعة حتى قرع الباب وجاء من يحمل الاطباق فيها ألوان الطعام والحلوى والفاكهة ، فسألوا : ما الخبر ؟، وإذا الخبر أن سعيد باشا شموين كان قد دعا بعض الكبار واعتذروا فغضب وحلف ألا يأكل أحد من الطعام وأمر بحمله كله إلى دار الشيخ سليم المسوتي ، قال : ارأيت يا امرأة
وقصة المرأة التي كان ولدها مسافرا، وكانت قد قعدت يوما تأكل وليس أمامها إلا لقمة إدام وقطعة خبز، فجاء سائل فمنعت عن فمها وأعطته وباتت جائعة ، فلما جاء الولد من سفره جعل يحدثها بما راى، قال : ومن اعجب ما مر بي أنه لحقني أسد في الطريق، وكنت وحدي فهربت منه، فوثب علي وما شعرت إلا وقد صرت في فمه، وإذا برجل عليه ثياب بيض يظهر أمامي فيخلصني منه ويقول " لقمة بلقمة "، ولم افهم مراده
فسألته عن وقت هذا الحادث واذا هو في اليوم الذي تصدقت فيه على الفقير ، نزعت اللقمة من فمها لتتصدق بها فنزع الله ولدها من فم الأسد
والصدقة تدفع البلاء ويشفي الله المريض، ويمنع الله الأذى وهذه اشياء مجربة وقد وردت فيها الاثار ، والذي يؤمن بأن لهذا الكون إلها هو يتصرف فيه وبيده العطاء والمنع، وهو الذي يشفي وهو يسلم، يعلم أن هذا صحيح، والملحد مالنا معه كلام
والنساء اقرب إلى الإيمان وإلى العطف، وإن كانت المرأة ــ بطبعها ــ اشد بخلا بالمال من الرجل، وأنا أخاطب السيدات وأرجو ألا يذهب هذا الكلام صرخة في واد مقفر، وأن يكون له أثره ، وأنت تنظر كل واحدة من السامعات الفاضلات ما الذي تستطيع أن تستغني من ثيابها القديمة أو ثياب أولادها، ومما ترميه ولا تحتاج إليه من فرش بيتها، ومما يفيض عنها من الطعام والشراب، فتفتش عن أسرة فقيرة يكون هذا لها فرحه الشهر
ولا تعطي عطاء الكبر والترفع، فإن الابتسامة في وجه الفقير ( مع القرش تعطيه له ) خير من جنيه تدفعه له وأنت شامخ الأنف متكبر مترفع، ولقد رأيت بنتي الصغيرة بنان ـ من سنين ـ تحمل صحنين لتعطيهما الحارس في رمضان قلت : تعالي يابنت، هاتي صينية ومعلقة وشوكة وكأس ماء نظيف وقدميها إليه هكذا، أنك لم تخسري شيئا، الطعام هو الطعام، ولكن إذا قدمت له الصحن والرغيف كسرت نفسه وأشعرته أنه كسائل ( الشحاذ )، أما إذا قدمته في الصينية مع الكأس والمعلقة والشوكة والمملحة ينجبر خاطره ويحسّ كأنه ضيف عزيز
ومن أبواب الصدقة مالا يتنبه له أكثر الناس مع أنه هين، من ذلك التساهل مع البياع الذي يدور على الأبواب يبيع الخضر أو الفاكهة أو البصل، فتاتي المرأة تناقشه وتساومه على القرش وتظهر " شطارتها " كلها، مع أنها قد تكون من عائلة تملك مئة الف وهكذا المسكين لاتساوي بضاعته التي يدور النهار لبيعها، لا تساوي كلها عشرة قروش ولا يربح منها إلا قرشين
فيا أيها النساء أسالكن بالله ، تساهلن مع هولاء البياعين وأعطوهم مايطلبون، وإذا خسرت الواحدة منكن ليرة فلتحسبها صدقة، إنها أفضل من الصدقة التي تعطي للشحاذ
ومن أبواب الصدقة أن تفكر معلمة المدرسة حينما تصر على شراء الدفاتر الغالية والكماليات التي لاضرورة لها من أدوات المدرسة، أن تفكر أن من التلميذات من لا يحصل ابوها أكثر من ثمن الخبز وأجرة البيت، وأن شراء ملابس الرياضة أو الدفاتر العريضة أو " الاطلس " أو علبه الألوان نراه نحن هينا ولكنه عنده كبير، والمسائل ــ كما قلت نسبية ، ولو كلفت المعلمة دفع ألف جنيه لنادت بالويل والثبور، مع أن التاجر الكبير يقول : وما ألف جنيه؟ ما اسهله! سهلة عليه وصعبه عليها، كذلك الخمس قروش أو العشر سهلة على المعلمة ولكنها صعبه على كثير من الآباء
والخلاصة ياساده: إن من أحب يسخر الله له من هو أقوى منه وأغنى من هو أضعف منه وأفقر، وليضع كل منا نفسه في موضع الآخر، وليحب لأخيه مايحب لنفسه، إن النعم إنما تحفظ وتدوم وتزداد بالشكر، وإن الشكر لا يكون باللسان وحده، ولو أمسك الإنسان سبحة وقال الف مره " الحمد لله " وهو يضن بماله إن كان غنيا ويبخل بجاهه أن كان وجيها، ويظلم بسلطانه لايكون حامدا لله ، وإنما يكون مرائيا أو كذابا .فاحمد الله على نعمة حمدا فعليا، وأحسنوا كما تحبون أن يحسن الله إليكم، وأعلموا أن ما أدعوكم إليه اليوم هو من أسباب النصر على العدو ومن جملة الاستعداد له، فهو جهاد بالمال، والجهاد بالمال اخو الجهاد بالنفس
ورحم الله من سمع المواعظ فعمل بها ولم يجعلها تدخل من أذن لتخرج من الأخرى
كن كالنسور على الذرا ******** تصفي لوشوشة القمر
إياك أن تكون الغراب يفتش******** الجيف الحقيرة في الحفر